صديق الحسيني القنوجي البخاري
88
أبجد العلوم
وأما العلوم التي هي آلة لغيرها مثل العربية والمنطق وأمثالهما فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط ، ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل ، لأن ذلك مخرج لها عن المقصود ، إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير ، فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود وصار الاشتغال بها لغوا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها . وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها ، مع أن شأنها أهم ، والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة . فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر وشغلا بما لا يعني . وهذا كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه ، لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها ، وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها من المقاصد ، وربما يقع فيها أنظار لا حاجة بها في العلوم المقصودة ، فهي من نوع اللغو ، وهي أيضا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها . فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد ، فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها وينبهوا المتعلم على الغرض منها ويقفوا به عنده ، فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل فليرق له ما شاء من المراقي صعبا أو سهلا ، وكل ميسر لما خلق له » « 1 » . * * * الإعلام الثامن في آداب المتعلم والمعلم [ آداب المتعلم ووظائفه ] أما المتعلم فآدابه ووظائفه كثيرة ، ولكن ينظم تفاريقها عشر جمل : الأولى : تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف ، إذ العلم عبادة القلب وصلاح السر وقربة الباطن إلى اللّه تعالى . فلا تصح هذه العبادة إلا بعد طهارة القلب عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف . الثانية : أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا ويبعد عن الأهل والوطن . فإن العلائق شاغلة وصارفة ، وما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه . ومهما توزعت الفكرة قصرت عن
--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 622 ) .